أَشَارَ سَيِّدِي صَدْرُ الدِّينِ الْقُونَوِيُّ فِي كِتَابِهِ: مِفْتَاحِ غَيْبِ الْجَمْعِ وَالْوُجُودِ؛ أَنَّ شَرْطَ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضُوعٌ وَمَبَادِئُ وَمَسَائِلُ، مَنْ عَرَفَهَا فَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ الْعِلْمِ، وَمَنْ جَهِلَهَا فَقَدْ جَهِلَهُ.
وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمٍ مَا هُوَ مَا يَتَنَاوَلُ الْبَحْثَ فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَأَحوَالِهِ، وَالأُمُورِ الْعَارِضَةِ لَهُ وَفِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْعِلْمَ الإِلَهِيَّ أَصلُ كُلِّ عِلْمٍ ، وَكُلُّ عِلْمٍ فَرْعٌ لِلْعِلْمِ الْإِلهِيِّ. فَمَنْ عَرَفَ هَذَا الْعِلْمَ فَقَدْ تَأَهَّلَ لِمَعْرِفَةِ كُلِّ عِلْمٍ.
وَإِيجَازُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ يُمْكِنُ إِجْمَالُهُ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ مَوْضِعَهُ هُوَ وُجُودُ الْحَقِّ تَعَالَى، وَمَبَادِئهُ عِبَارَةٌ عَنْ أمَّهَاتِ الْحَقَائِقِ اللَّازِمَةِ لِلتَّعَرُفِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَسْمَاءُ ذَاتِهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا مَا أَعْلَمَنَا بِهِ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ سُبْحَانَهُ بَعضَ عِبَادِهِ بِمَعْرِفَتِهِ، وَمِنْهَا مَا اسْتَأْثَرَ بِهِ فِي عِلْمِ غَيْبِهِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَلْحَقُ بِأَسْمَاءِ الذَّاتِ أَسْمَاءُ الصَّفَاتِ وَأَسْمَاءُ الْأَفْعَالِ.
وَفِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَسْرَارِ الْعِلْمِ الإِلَهِي مَا لَا يَتَحَصِّلُ إِلَّا بِإِدمَانِ الاطِّلَاعِ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ مُذَاكَرَةً وَجَمْعًا لِمَا بُثَّ فِيهِ مُتَفَرِّقًا غَيْرَةً عَلَى أَسْرَارِ الْعِلْمِ الإِلَهِيَّ.